الشيخ محمد حسين الحائري

389

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

القرينة للاستنباط وهي معنى الملكة فيرجع الحد إلى أن الاجتهاد ملكة الملكة وفساده واضح ويمكن توجيهه بجعل قوله أو قوة قريبة عطفا على الملكة على أن يكون المعنى أن الاجتهاد إما ملكة الاستنباط الفعلي أي الحاصل أو قوة قريبة من الاستنباط الفعلي وحينئذ فيتم قول الشارح وبالقوة القريبة يدخل إلى آخر ما ذكره لكن يرد عليه مع عدم ملائمة الترديد للتعريف لان القوة القريبة من الاستنباط ربما يتناول القوة القريبة من الاجتهاد فلا يتم طرد التعريف واعلم أن الفرق بين الفقه والاجتهاد من وجوه الأول أن الفقه هو العلم أو ملكته والاجتهاد هو استفراغ الوسع أو ملكته وأحدهما غير الاخر الثاني أن المقصود في مقام الاجتهاد تحصيل الظن بالحكم الشرعي وفي مقام الفقاهة تحصيل العلم به والظن إنما يستفاد من الأدلة التفصيلية والعلم إنما يحصل غالبا من الدليل الاجمالي وإسناده إلى الأدلة التفصيلية كما وقع في حده مبني بظاهره على نوع توسع الثالث أن النظر غالبا في مقام الاجتهاد إلى الواقع وفي مقام الفقاهة إلى الظاهر وقد يتخلف وموارده غير خفي على العارف فصل وحيث علمت أن الملحوظ في مقام الاجتهاد تحصيل الظن بالحكم الشرعي فاعلم أن المراد به الظن المعتبر في معرفة الحكم وهو يختلف باختلاف آراء المجتهدين فمن يرى أن المعتبر منه ظنونا خاصة فالاجتهاد في حقه تحصيل تلك الظنون ومن يرى أن المعتبر منه مطلق الظن فالاجتهاد في حقه تحصيل مطلق الظن وقد عرفت فما حققناه في مبحث خبر الواحد صحة القول الأول وأن المعتبر في حقنا ليس إلا ظنونا خاصة وبينا هناك بطلان القول بحجية مطلق الظن ولا بأس في المقام بإيراد بعض الكلام عليه فنقول قد استدل على بطلان هذا القول بعموم الآيات الناهية عن العمل بالظن والمشتملة على ذم العامل به كقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله تعالى إن يتبعون إلا الظن ونحو ذلك وأورد عليه بأن عمومها لمحل البحث بالظهور فلا يفيد إلا الظن به فإن ثبت مدلولها من عدم جواز العمل بالظن لزم عدم جواز العمل بها أيضا وما يلزم من وجوده عدمه فهو محال وأجيب بوجهين الأول أن حجية ظواهر الكتاب إجماعية فيصح إثبات عدم حجية سائر الظنون بهذا الظن لقيام القاطع على حجيته واعترض عليه بعض المعاصرين بما يرجع محصله إلى وجوه الأول منع قيام الاجماع على ذلك مطلقا وأن القدر المسلم منه حجية متفاهم المخاطبين لان الكتاب ورد بلسانهم والفهم يختلف باختلاف الزمان فإثبات حجية متفاهم المتأخرين عن زمن الخطاب إما باعتبار انسداد باب العلم في حقهم الموجب لفتح باب الظن وهذا يقتضي حجية ظاهر الكتاب من حيث كونه ظاهرا أي ظنا مطلقا لا من حيث كونه ظنا كتابيا ونحن نقول بذلك وإما من جهة أن القرآن من قبيل كتب المصنفين الذين يقصدون بها بقاءها مر الدهور ليستفيد الناظرون إليها المقاصد على حسب أفهامهم ويعملون بمقتضى متفاهمهم وهذا ممنوع لا سيما في الاحكام الفرعية ولا ينافي ذلك تعلق الغرض ببقاء القرن لحصول الاعجاز بملاحظة أسلوبه وأما حديث الثقلين والأخبار الدالة على عرض الاخبار المتعارضة على الكتاب فلا دلالة لها على التمسك بما يفهم من القرآن مطلقا والعرض عليه لامكان إرادة التمسك بما علم إرادته من القرآن والعرض عليه غاية الأمر أن يستظهر منها المعنى الأول فننقل الكلام إلى التمسك بهذا الظهور فيثبت المطلوب على التقدير الأول ويبتني حجيتها على التقدير الثاني على ثبوته بأن يكون تلك الأخبار من قبيل كتب المصنفين وهذه الدعوى بعيدة في الاخبار جدا الثاني أنه إن أريد بحجية ظاهر القرآن حجية الظن المستفاد منه من جهة كونه مستفادا منه فهذا باطل قطعا للاجماع على عدم جواز العمل به إلا بعد النظر في المعارض وارتكاب العلاج وإن أريد حجيته بعد ذلك فلا ريب في أن الظن الحاصل بعد ذلك ليس ظنا حاصلا من الكتاب بل من ملاحظة مجموع الأدلة فيخرج عن مورد الاجماع الثالث أن عموم هذه الآيات مخصص ببعض الظنون كالبينة والاقرار وقد وقع النزاع في حجية العام المخصص فكيف يمكن دعوى الاجماع على حجية هذه الآيات لا يقال هذا النزاع راجع إلى النزاع في أن العام المخصص هل هو ظاهر في الباقي أو لا فالقائل بالحجية يدعي ظهوره فيه كما أن المنكر لها يمنع ظهوره فيه ولا قائل بعدم الحجية مع تسليم الظهور فإذا ثبت عندنا ظهوره فيه ثبت حجيته فيه للاجماع على حجيته على تقدير ظهوره لأنا نقول إنما انعقد الاجماع على حجية ما هو ظاهر واقعا لا ما هو ظاهر في اعتقاد مدعيه إذا لم يكن ظاهرا واقعا والمانع هنا يمنع من ظهور العام المخصص في الباقي واقعا ويرى أن ظهوره في اعتقاد مدعيه خاصة فكيف يساعد على حجيته الرابع أن الاجماع المدعى على حجية ظواهر القرآن إن كان على حجيتها في الجملة فلا يجدي في الاستدلال بظاهر هذه الآيات وإن كان على حجيتها بطريق العموم فهذا يستلزم حجية ظاهر هذه الآيات في شمول المنع للعمل بظاهرها فيعود الاشكال لا يقال عمومها مخصص بالاجماع المتقدم لأنا نقول هذا مردود أما أولا فلان التخصيص يستلزم أن يكون المخصص مغايرا للمخصص لان قضية كل منهما ما ينافي الاخر فلا يصح فرض كونهما أمرا واحدا وهو الاجماع المدعى في المقام ولا سبيل إلى دعوى إجماعين أحدهما على المخصص والاخر على المخصص لان مرجع الثاني إلى الأول فلا يتعدد وأما ثانيا فلان تخصيص ذلك يوجب تخصيص الاجماع فيلزم أن يكون الاجماع ظنيا إذ لا تخصيص إلا في العام الظني فإن قيل قام الاجماع على حجية كل ما